مجمع البحوث الاسلامية
392
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
نوح ، قل : يا نوح ، إن افتريته فعليّ إجرامي وأنا بريء ممّا تجرمون . وعلى هذا فالكلام مشتمل على نوع التفات من الغيبة إلى الخطاب ، وهذا بعيد عن سياق الكلام غايته . وفي قوله : وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ إثبات إجرام مستمرّ لهم ، وقد أرسل إرسال المسلّمات ، كما في قوله : فَعَلَيَّ إِجْرامِي من إثبات الجرم ، وذلك أنّ الّذي ذكر من حجج نوح إن كان من الافتراء كان كذبا ؛ من حيث إنّ نوحا عليه السّلام لم يحتجّ بهذه الحجج وهي حقّة ، لكنّها من حيث إنّهاحجج عقليّة قاطعة لا تقبل الكذب ، وهي تثبت لهؤلاء الكفّار إجراما مستمرّا ، في رفض ما يهديهم إليه من الإيمان والعمل الصّالح ، فهم في خروجهم عن مقتضى هذه الحجج مجرمون قطعا ، والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مجرم لا قطعا بل على تقدير أن يكون مفتريا ، وليس بمفتر . ( 10 : 218 ) مكارم الشّيرازيّ : 1 - « الإجرام » مأخوذ من مادّة « جرم » على وزن « جهل » وكما أشرنا إلى ذلك سابقا فإنّ معناه قطف الثّمرة غير النّاضجة ، ثمّ أطلقت على كلّ ما يحدث من عمل سيّء ، ونطلق على من يحثّ الآخر على الذّنب أنّه أجرم ؛ وحيث إنّ الإنسان له ارتباط في ذاته وفطرته مع المعنويّة والطّهارة ، فإنّ الإقدام على الذّنوب يفصل هذا الارتباط الإلهيّ منه . 2 - واحتمل بعض المفسّرين أنّ الآية الأخيرة ليست في نبيّ الإسلام ، بل هي في نوح عليه السّلام نفسه ، لأنّ جميع هذه الآيات تتحدّث عن نوح عليه السّلام والآيات المقبلة تتحدّث عنه أيضا ، فمن الأنسب أن تكون هذه الآية في نوح عليه السّلام ، والجملة الاعتراضيّة خلاف الظّاهر ، ولكن مع ملاحظة ما يلي : أوّلا : إنّ شبيه هذا التّعبير وارد في سورة الأحقاف الآية ( 8 ) في نبيّ الإسلام . ثانيا : ما جاء في نوح عليه السّلام في هذه الآيات جميعه بصيغة الغائب ، ولكن الآية - محلّ البحث - جاءت بصيغة المخاطب ، ومسألة الالتفات - أي الانتقال من ضمير الغيبة إلى المخاطب - خلاف الظّاهر ، وإذا أردنا أن تكون الآية في نوح عليه السّلام فإنّ جملة ( يقولون ) الّتي هي بصيغة المضارع ، وجملة ( قل ) الّتي هي بصيغة الأمر ، فإنّهما جميعا يحتاجان إلى التّقدير . ثالثا : هناك حديث في تفسير « البرهان » في ذيل هذه الآية عن الإمامين الصّادقين الباقر والصّادق عليهما السّلام يبيّن أنّ الآية المتقدّمة نزلت في كفّار مكّة ونبيّ الإسلام . من مجموع هذه الدّلائل نرى أنّ الآية تتعلّق بنبيّ الإسلام ، والتّهم الّتي وجّهت إليه من قبل كفّار مكّة ، وجوابه عليهم . وينبغي هنا ذكر هذه المسألة الدّقيقة ، وهي أنّ الجملة الاعتراضيّة ليست كلاما لا علاقة له بأصل القول ، بل غالبا ما تأتي الجمل الاعتراضيّة لتؤكّد بمحتواها مفاد الكلام وتؤيّده ، وإنّما ينقطع ارتباط الكلام أحيانا لتخفّ على المخاطب رتابة الإيقاع وليبعث الجدّة واللّطافة في روح الكلام . وبالطّبع فإنّ الجملة الاعتراضيّة لا يمكن أن تكون أجنبيّة عن الكلام بتمام المعنى ، وإلّا فتكون على خلاف البلاغة والفصاحة ، في حين أنّنا نجد دائما في الكلمات البليغة والفصيحة جملا اعتراضيّة .